وقاحة “التخلف”..


كتب : مصطفى بودغية

قامت مجموعة كبيرة من الشابات الأوروبيات بعمل تطوعي في منطقة جنوبية نائية في المغرب..معروفة بطقسها الشديد الحرارة في فصل الصيف..تضمن هذا العمل التطوعي إنشاء طريق يستفيد منه السكان المحليين في التنقل عبر استخدام آليات النقل..لأنه سيربطهم بالطريق المعبدة..ويسهل عليهم حركة التنقل..ولا يعرف أهمية الطريق إلا من عاش في البادية أو عمل بها..ففي فصل الشتاء تتحول الأرض إلى طين معجون تنغرس فيه الأقدام.. وتنكسر فيه قوائم البغال والحمير..وبسبب خطورة التنقل ينعزل السكان في قراهم دون تسوق محرومين من حاجياتهم الأساسية الموجودة في سوقهم الأسبوعي..يتطلب إنجاز الطريق ميزانية هامة جدا..وأعمال شاقة جدا..تبدأ بتكسير الحجارة في الجبل ونقلها من هناك عبر الشاحنات..وتوفير الرمل والإسمنت بكميات وافرة ونقلها بالشاحنات أيضا..وتوفير كمية كبيرة جدا من الماء..ثم مباشرة العمل بالشروع في ترصيف الطريق بالحجارة المرصوصة عرضا وطولا ولمسافة طويلة..تم إعداد الرمل والإسمنت وخلطهما بالماء لتكوين عجائن للتبليط..وأخيرا القيام بالتبليط لتغطية الحجارة المرصوصة عرضا وطولا..كل هذا العمل الشاق يتم تحت أشعة الصيف الحارقة في منطقة شبه صحراوية..لكن المشكلة هي أن هؤلاء الشابات يلبسن ملابس خفيفة..قمصان دون أكمام..وسراويل قصيرة..وهذا أمر طبيعي إذا نظرنا إليه من زاوية الظرف المناخي القاسي..

لكن بعض المغاربة الغيورين على “تقاليدنا” رأوا في ذلك استفزازا لمشاعرنا..لأنهم يحلو لهم أن يتكلموا باسم الشعب المغربي قاطبة مثلما يفعل النظام المخزني الذي يطحنهم..لكنهم لا ينتبهون للاختلاف الثقافي الموجود بيننا وبين ثقافة هؤلاء الشابات الغربيات..نحن لا نزال نرى “المرأة” عورة لأننا نرى فيها حصريا موضوعا للجنس..ولا شيء غير الجنس..بينما ترى هؤلاء الشابات أن المرأة “شخص” مستقل ومسؤول وحر..ومفهوم الشخص يجمع الرجل والمرأة سواء بسواء..وبما أن الرجل يلبس ملابس خفيفة أثناء الصيف..فللمرأة الحق أيضا أن تلبس نفس الملابس..وكما للرجل إحساسات جنسية..فالمرأة أيضا لها نفس الإحساسات..وإذا كان الرجل يثيره جسد المرأة..فتلك مشكلته مع غرائزه التي لا يتحكم فيها..وليست مشكلة المرأة..والسؤال الأهم هو : لماذا ستترك هؤلاء الشابات شواطئ البحر وعدد من المسابح الواسعة وأماكن استجمام متنوعة..ويأتين ليقمن باستفزاز حفنة من القرويين في قرية نائية مجهولة على خريطة العالم ؟؟..أليس هدفهن هو العمل التطوعي في ذاته وليس شيئا آخر ؟؟..أليس من المضحك ومن العبث غض الطرف عن العمل المنجز الشاق لصالح قراءة مشبوهة ومغرضة للنوايا ؟؟..ألا يمكن أنْ نعتبر أنَّ هذا العمل تحد لكسلنا وخمولنا وطول لساننا.. ولهذا نقوم باحتقاره ؟؟.. ثم لماذا نعتبر أن من حق المرأة “المسلمة” أن تلبس ما تشاء في أوروبا..وننكر على المرأة “المسيحية” لباسها في بلادنا ؟؟..ننكر ذلك لدرجة أن وصل الأمر بأحد “المتحمسين” إلى التحريض بالدعوة لقطع رؤوسهن !!..بينما نحن نعرف أن “الإسلام” ابتلاء وامتحان من الله..والامتحان بالذات يعني عدم الانجذاب للمغريات المطروحة أمامك..فالمسلم في أوروبا يعيش وسط ثقافة مغايرة..هل سيطلب من النساء الغربيات إخلاء الشارع عند مروره ؟؟امتحان الله لعبده ليس هو الجنس وجسد المرأة فحسب….بل الرشوة ونهب المال العام..والغش بكل أنواعه..والكذب وتحصيل الرزق الحرام..والنفاق وتقبيل أيدي الأسياد…والائحة طويلة يدخل محتواتها كله تحت عبارة امتحان الله لعبده..لكننا يطول لساننا في الحديث عن المرأة ونبلعه في المواضيع الأخرى الأكثر أهمية والأكثر خطورة..

من عناوين التخلف الوقح..أن يعتبر بعض “المغاربة” المرأة الملفوفة بالأسود الممتص لحرارة الشمس ونحن في عز الصيف..أهم من “التطوع” لتعبيد طريق تحت أشعة الشمس الحارقة..لأن “اللباس” يدخل في صميم تقاليدنا..بينما “التطوع” لإنجاز أشغال عامة فيعتبر لا شيء ذا قيمة بتاتا..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.