بعد فوات الأوان..


هاجر وهو شاب في مقتبل العمر تاركا وراءه خمسة إخوة وأم فقدت زوجها قبل بضعة شهور..راودته فكرة الهجرة بعدما مات أبوه..لم يترك لهم الأب شيئا سوى بيت من طابقين..ولا شيء غيره..بدأ يلاحط أن الحياة لم تعد كما كانت..وأن مستوى معيشة الأسرة بدأ ينحدر إلى الأسفل حيث الحاجة والحرمان..هكذا كان يرى أن الهجرة هي الحل..في ديار الهجرة لم ينس أسرته ولا موطنه الأصلي..كان يزور أمه كل سنة حاملا معه بعض الهدايا وما استطاع توفيره من مال..لكنه في كل زيارة يشعر أن ما يقوم به غير كاف..


قرر بعد تفكير طويل أن ينقطع إلى العمل المتواصل لسنوات..لعله يوفر أكبر قدر من المال يكفي ليخرج أسرته من ألم وشدة وطأة الحاجة.. مع الاستمرار طبعا في إرسال بعض النقود لأمه..أضاف إلى عمله الرسمي عملا آخر وكل الساعات الإضافية الممكنة ذات الأجر المزدوج خاصة أيام السبت والأحد..أحيانا كان يشعر بإرهاق شديد حين يستمر في عمله حتى يوصل الليل بالنهار..لا يستثني أي يوم من أيام الأسبوع..مرت الأعوام بسرعة.. عزاؤه هو هدفه..وهدفه هو سعادة أمه وراحة بالها..خاصة وأنه الابن البكر وجل إخوته لا يزالون دون سن الرشد.. واحد منهم فقط حصل مؤخرا على شهادة “الباكالوريا” التي لم تعد تساوي حتى الورق الذي كتبت عليه.. كانت متابعة أخيه للدراسة ضمن آمال أمه وأحد أسباب سعادتها..


كانت الرسائل تصله بانتظام..ومرة كل أسبوع يكلمهم..عند ساعة محددة..عبر الهاتف الموجود عند جيرانهم في الحي..لكنه لاحظ مؤخرا أن الرسائل كانت أقصر وأقل مرحا من ذي قبل..حتى الصوت الذي يأتيه عبر الهاتف لم يعد صوت أمه..وإنما كان صوت أخيه الذي يصغره..كان يسمع صوتا منكسرا متلعثما..لم يكن يحظى بأي جواب عندما يسأل..حتى وإن ألح في السؤال..


عرف أن مرضا ما ألم بأمه..لكنه يجهل كنهه ومدى خطورته..الأمر الذي جلل سماء عقله ووجدانه بالسواد الحالك..لذا قرر دون تردد أن يعود إلى أسرته في أقرب وقت ممكن..طلب إجازة عطلة..جمع حقائبه..استقل أول طائرة تحمله إلى موطنه الأصلي..لم يشعر بإرهاق السفر ولا بطول مسافته ..انغمس في حوار ذاتي مبطن بالوساوس والأفكار السوداء..يحذوه أمل بين حين وحين أن يتمكن من إرجاع الأمور إلى نصابها..ويرد قطار حياته وحياة أسرته إلى سكته..وإلى إيقاع سيره العادي..


أخيرا وصل إلى البيت..وجد الباب مفتوحا..والغرفة الكبيرة مزدحمة عن آخرها بأهل الحارة..كان المشهد واضحا جدا..فهم من خلاله كل شيء..لكنه لم يملك ما يكفي من القدرة على استيعابه كليا..لم يكلم أحدا..سلم على أفراد العائلة الذين حضروا..وعلى من انتبه إلى حضوره من أهل الحي..صعد بسرعة إلى الطابق الثاني..انزوى داخل غرفة صغيرة..بعد أن أغلق بابها..ليداري دمعه المحتقن العالق في جفنتيه..وليحبس الدخان الذي يصعد من قلبه الذي بدأ يحترق..
ـــــــــــــــــــــــــــــــ م.بودغية ..29 يوليوز 2019

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: