صوت الفلاح


كتب أنور الفيلالي الخطابي

عندما كان ذالك المجدوب او البهلول الذي كان يطلق عليه اهل البلدة الفلاح يقف فوق تلك التلال الرملية الجرداء وهو يتصبب عرقا متقمصا دور موظف دولة بربطة عنق حولاء ومعطف متسخ وبصوت مبحوح يشير بإحدى يديه الى اعلى وبأخرى يشتت بها الرمال وهو يصيح بأعلى صوته الذي لا يكاد يسمعه احد، من هنا ستمر الطريق، كان الكل يعلم ان الفلاح مجرد رجل اخرق وان اي كلام صادر عن مجنون لن يصدقه الا مجنون مثله.في البدء اقاموا سياجا اسمنتيا التف حول ارض خلاء كانت عبارة عن ملاعب رملية تقام عليها دوريات كروية خلال موسم الصيف يتبارى فوقها امهر اللاعبين المحليين والاقليميين حيث يستمتع من خلالها عشاق الكرة باجود المقابلات وارفعها.قيل ان ذلك الجدار اقيم ليمنع تقدم رمال الشاطئ والزحف نحو مشارف الاحياء القريبة من الشاطئ الذي كانت ابواب منازلها تغلقها الرمال بالكامل عند كل شتاء.
بألبسة داكنة وانيقة ووجوه متجهمة وصارمة وقفوا فوق السور ونحن اسفل منه نغازل الكرة مثل القطط نراقبهم بين الفينة والاخرى بأعين مغبرة يشيرون باصابع غليظة نحو الافق البعيد،لم نستوعب اللحظة مثل ما وقع مع الفلاح سابقا ،دحرجنا الكرة وبعدها ارتمينا في اليم وصرخنا بفرح طفولي تحيا الحياة.في الغد جاءت الجرافات والشاحنات في طابور طويل يمتطيها اناس بسحنات رمادية مثل سحب الحزن التي غطت سماء البلدة في ذلك الصباح الخريفي معلنة نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة.مررت من تحت اشجار لاميدا الوارفة التي كانت تغطي جنبات شارع الدفوف فوجدتها تئن في صمت و الطيور تغادرها بدون ان ترفرف بأجنحتها كأنها تنتحر،بسكار حارس الغابة هو الاخر يغادرها دون ان يلتفت الى الوراء حتى لا تعوزه الشجاعة فيسقط مغشيا عليه من هول الغدر،الجعماطي القيم على الغابة كان يملك سكنا وظيفيا في وسطها لملم اغراضه وهمس في آذان اولاده اشياء ادعوا انهم فهموها منه فكل الكلمات والتعابير خانته ذلك الصباح فخرجوا عند التباشير الاولى دون وداع للاصدقاء والرفاق. هناك في الجانب الاخر من الوادي كانت هناك بحيرة تأتيها الطيور النادرة لتبيض كل موسم هجرة يتبعها علماء من كل اصقاع الارض يستكشفون طبيعتها ويرقبون اسرار رحلتها،استوطنها الغرباء فبنوا قنطرة فوق الوادي و ارغموا السلطة على غض الطرف حتى تقام الخيام .رحل سي عبد السلام والخمسي وسي زجلي وعزوز وبنحدو وباع الروبيو مقهاه ورحل احمد الى دار البقاء وغطت المكان عربات بخطوط بيضاء وزرقاء وسقطت إبريزات البرج وقبلها صودرت مدافعه خوفا من طلقة معبرة عن ردة فعل منافحة .
ياليتك ماقلتها يا فلاح وياليتنا صدقناك حتى كنا استعدنا للرحيل ولم نحضر جنازة بلدة وميلاد مدينة لا تشبهنا ولا نشبهها. انتهه.

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: