همس الامكنة


أنور الفيلالي الخطابي

لكم ان تتصوروا حجم المعاناة والعذابات التى عانى منها السكان في بلدتي نتيجة ضعف المداخيل وقلة الحيلة امام جبروت الطبيعة غير المحدود كفيضان مدمر او قحط مجذب،فيتصادف ان تهطل الامطار شهورا عدة فتغمر المياه الطرقات والميادين فيظل السكان مرابضين لايام عديدة داخل مساكنهم ينتظرون انفراج السماء،فتنعدم المؤونة في البيوت ليخرج الرجال بعدها يستنجدون بالتجار الصغار اصحاب الدكاكين يقرضونهم بعضا من المال او الحاجيات الى حين انقشاع شموس الحياة والامل .هناك امام هول الجوع المتربص بالانفس من باع اعز ما يملك متاعه واولاده حتى .وكانت النسوة يذهبن في طابور طويل الى الغابة من اجل اقتلاع الحطب فيعدن باحزمة من فوق اظهرن وهن يتمايلن يمنة ويسرة يتجاذبن اطراف الحديث واعينهن في الارض كأنهن فرقة باليه،ومنهن من كانت تملك بعض المعزات وبقرة يسترضعن منهن لترات من الحليب يبعنه في منازلهن الى الاسر عند كل فجر.ورغم ذلك ابناء بلدتي يذكرون تلك الايام في مسامراتهم او مع الغير الذين استوطنوا البلدة حديثا، بكثير من الفخر والحنين،لانهم هكذا ابناء بلدتي لا يرون في تلك المآسي الا نوع من الجهاد والتحدي لما اصبحوا ينعمون فيه اليوم من رخاء و رغد عيش. ابناء بلدتي حتى وهم بعيدون عنها يدفعهم الحنين الى العودة اليها ولو في الاكفان ليدفنوا في مقابرها لعلهم يستأنسون بالخلود الى جوار من سبقوهم من الاباء والاجداد ،هؤلاء الاباء والاجداد من لازالت الذاكرة الحية تذكرهم وهم يبيعون في دكاكين متراصة الى بعضها البعض في السوق القديم مثل محكيات النصوص التاريخية والادبية،يؤذن المؤذن في مسجد الواد القريب منهم حي على الصلاة فيتركون الابواب مشرعة ليذهبوا دفعة واحدة لتأدية الواجب،الزبناء يعرفون ذلك لا يقتربون من الحوانيت حتى يرجعوا من الصلاة. من منا لايذكر بنحدو وسي قاسم وسي امحمد المصباحي عمار المسطاسي واخوه احمد المسطاسي والنالي وعزوز والسي عبد السلام الخمسي وسي العاقل وسي هيلول والصوردو والحكيم و القماص والترغي وسي عبد السلام وبوكاديوس ستروين وغيرهم. من منا لم تأتي به صدف ليالي الاعياد ليقتص شيئا من شعيرات رأسه من حلاقين مثل سي زجلي وسي عمار وبا المراكشي وفانطا فيخرج براسه كله بقع مثل جزر اليابان. مقاهي الروبيو وماريا و عمار والمدير وبا العربي السكيرج وغيرهم كانت مأوى من لا مأوىله، المدمنون على الكيف والحمقى والكلاب والمهووسون بلعب الكارطا والدومينو قد يظلون اليوم والليلة مرابضون هناك تستهويهم برامج التلفزة الاسبانية من افلام ومسلسلات وكرة قدم وملاكمة فيحفظون نجومها عن ظهر قلب وقد يطلقونها القابا على بعضهم البعض مثل جون براينر الذي يتحول حسب فهم اللغة الى جون بريني او فلايطس.افران شعبية تستقبل صواني الحلويات والاخباز وطواجين السمك يلتقي عندها الغني كما الفقير مثل فران الخماگي وفران المخيتار وفران البكينيو وفران الدفوف .ابناء بلدتي كانوا بغريزتهم يعرفون طبيعة الطقس من السماء الصافية او اتجاه السحب او من رائحة الهواء او بحك في الجلد، فمن خلال هذا يستطيعون ان يتنبأوا ان كانت الرياح ستهب من ناحية الغرب او من ناحية الشرق.كما ان بعضا منهم كانوا قد اشتهروا بقوة تاثير اعينهم المبطلة على الانسان او الحيوان او حتى الجماد .منهم من قد يستطيع ابطال مفعول دوران الساعة في معصم اليد اذا نظر اليها بعين شامتة،ومنهم استطاع اسقاط كلب من فوق جدار عال بمجرد ما نظر اليه بعين غاضبة،كذلك هناك من استطاع اضرام نار بعينه في مركب صيد وافلات سمكة كبيرة من صاحبها فقط لانه لم يستسغ رؤية غريمه مفلحا يومه ذاك.يتبع ….

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: