لا أحب العيد..


كتب : مصطفى بودغية

كلما حل عيد من الأعياد إلا وانتابني شعور غامض بالتوتر.حصل هذا معي،بشكل متكرر، منذ زمن بعيد،ولا يزال يحصل.في يوم العيد أجد نفسي متوترا جدا،دون أن يبدو ذلك واضحا على ملامحي ومظهري الخارجي، إذ أداري ما أشعر به عن الأهل والأصدقاء بالابتسام وتوزيع التهاني.صرتُ وكأنني أعاني من عقدة “العيد”. لا أكره العيد فحسب،بل أكره أيضا الملابس الجديدة التي ترتبط به.عندما كنت طفلا يافعا كنت أكره العيد وأكره الملابس الجديدة حتى ولو اشتراها لي والداي خارج أجواء العيد.ولم أكن في البداية أربط بين الأمرين، وفي نفس الوقت،لم أكن أعرف سبب هذه الكراهية المزدوجة،ولا سبب التوتر الذي أشعر به كلما حل عيد من الأعياد..

    لكن مع تقدمي في الزمن،وتراكم الوعي والتجربة،واكتساب بعض الصلابة النفسية متجاوزا هشاشة نفسية الطفل وسرعة انفعالاته وانكساراته،أصبحت قادرا على إعادة قراءة تاريخي الخاص،وإعادة تفكيك دلالات ما اتطبع في الذاكرة من تجارب قابلة للاسترجاع،ولم تغرق تماما في بئر النسيان.

    كان العيد في حارتنا ونحن ما زلنا أطفالا صغارا دون السابعة،وخاصة عيد الفطر،لا يمر دون أن نجد قدرا لا بأس به من الشباب أبناء الحي مخمورا حد فقدان الوعي. كانوا يشترون الخمر ليلا بعد الإعلان مباشرة عن حلول العيد في اليوم التالي،وأحيانا قبل ذلك،وفي بعض الأحيان يخطئون الحساب ولا يتم الإعلان عن العيد.يقضون الليل كله وهم يشربون، ويشربون.كان حي الملاح الذي يقطنه اليهود في تطوان،وكما في الكثير من المدن المغربية العتيقة،فيه منازل يهودية تصنع وتبيع “الماحية”، وهو مشروب كحولي مفعوله شديد البأس،كما كان في نفس الحي “دكاكين” صغيرة ضيقة لا تتسع سوى لصناديق الخمر المسمى “شو دو سولاي” المتراكمة عموديا،وكان هذا “الخمر” يسمونه شعبيا “بودراع”،وهو نوع سيء من الخمر بخس الثمن،كما كان أيضا شراب “التيري” وهو نوع من “الكونياك” يأتي من “سبتة” مهربا بثمن بخس جدا.كل هذه الأنواع كانت متوفرة عند أبناء الحي،لم أكن أعرفها طبعا وانا طفل صغير،لكن استمرار الحال وتقدمي في السن،والكلام الذي أسمعه ممن هم أكبر مني، جعلني،شيئا فشيئا،أعرف ما يجري ويدور في حينا.

    هكذا تتحول دروب حينا يوم العيد،ومنذ الصباح الباكر، إلى ميادين عراك وخصام وقتال، وأحيانا إلى حروب تستعمل فيها الأسلحة البيضاء وقضبان الحديد والهراوات والحجارة، وتتنوع المواجهات من ثنائية إلى جماعية، حتى يختلط الأمر،ولا يمكن معرفة مَن يقاتل مَن، ولا مَن يناصر مَن.ومما يجعل الأمر أكثر دموية،هو أن شباب حينا دائما يقضون الليل  يعاقرون الخمر مصحوبين بشباب آخرين غرباء قادمين من الأحياء المجاورة،أو حتى الأحياء البعيدة.كانت ساحة “السوق الفوقي” الخالية يوم العيد،بسبب الدكاكين المغلقة،تستخدم لألعاب “القمار” المتنوعة التي يمارسها عدد النصابين ذوي السوابق لاصطياد المغفلين الطامعين في الربح.هنا كانت تدور معارك طاحنة،يقودها شباب الحي ضد الدخلاء الآتين من أحياء أخرى،لأنهم يعتقدون أن “السوق الفوقي” جزء من حي “الطالعة” ومجالهم الحيوي الذي لا يمكن لأي دخيل أن ينازعهم فيه.كانت المعارك عنيفة لا رحمة فيها،يسيل فيها الدم الوافرمن الرؤوس والأجساد، ولا صوت يعلو فوق صوت العنف.كانت تلك المشاهد تصيبنا،نحن الصغار،بالذعر والهلع الشديدين،وتشعرنا بتوتر عال جدا يفقدنا توازننا النفسي ويعكر صفو مزاجنا. وبما أننا كنا نعتقد بعقلنا الصغيرأن ما يحصل جزءا طبيعيا من واقع الحياة،وأمر طبيعي لا مفر منه،ويتطلب صلابة وبأسا لا تتحملهما نفسيتنا الهشة وأجسادنا الصغيرة،فلقد كنا جراء ذلك نشعر بالخوف من الحياة ذاتها،ونرى أنها لا تستحق أن نحياها.

    هكذا بدأت أمقت العنف وحياة الصعلكة وأبغض الإسراف في شرب الخمر،وأكره حارتنا،أكره فيها بالذات تلك الكائنات العنيفة العدوانية التي لا شغل لها سوى إلحاق الأذى بالآخرين.أضحيت أكره العيد وأجواء العيد وملابس العيد الجديدة.أكره صوت الغياط والنفاروطلقات المدفع التي لا تخلو من عنف سمعي والتي كانت تطلق تباعا من القصبة العتيقة النائمة على الجزء القصي العلوي من حينا. وبالمقابل أحب أكثر الأيام الجارية العادية دون فرح “دموي”،ولا أحب ملابسي إلا حين تكف أن تكون جديدة،بعدما يتم تصبينها مرة أو مرتين..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.