الحلم المهدور …(الجزء الثالث ).


آمال الدردابي .

ساءت حالة مراد الصحية بعد تعليق الإضراب و العودة إلى العمل. آلام مبرحة في صدره وقلبه تكاد تخنقه لتنتشر في باقي أنحاء جسده.بعد العديد من الفحوصات و التحاليل و الأشعة تبين لطبيبه المعالج أنه لا يشتكي من مرض عضوي و لكن ما يشعر به  نفسي صِرف .سأله طبيبه : “ما بك يا مراد ما الذي أوصلك إلى هذا الحد ؟!أهي مشاكل أسرية تعاني منها ؟أم هذا راجع لضغوطات العمل ؟فأنا أعرف أن الأساتذة يعملون تحت الضغط و أغلبهم يصاب بأمراض الضغط والسكر …ولكن في نهاية مسيرتهم و ليس في سنك اليافع هذا!”.    استغرب مراد كلام الدكتور عن عمره ،فهو مقتنع أنه أصبح عجوزا و أن قطار الحياة بدأ يفر منه.       لا يا دكتور لا  أعاني من أية مشاكل أسرية حاليا، ربما هي تراكمات قديمة؛ فالمرأة التي ملأت كياني و عشت حياتي أنتظر الارتباط بها توفيت قبل ثلاث سنوات  بعد أن زوجوها رجلا آخر قسرا. قبل أن أحصل على” وظيفة”.أما بالنسبة لعملي فعلى العكس من ذلك لا يسبب لي أي ضغط،  فأنا أحب وظيفتي وأعتبرها هواية لي .مع أنني أعمل في قرية نائية ولا أعود إلى بيت أسرتي إلا مرة كل شهر، إلا أنني وجدت راحتي مع براءة أهل القرية و أبنائهم.إذن ما بك أستاذ؟سبب آلامي هو وطني ؟وطنك ؟كيف ذلك .فأنت موظف، ماذا تركت للعاطلين و الفقراء أن يقولوا ؟!!هذا بالضبط سبب ألمي ،فقد عانيت سنوات من البطالة واعرف مآسيها.و لكن على الأقل كنت أدرس توفرت لي فرصة تعليم عمومي مجاني أما في ظل وضعنا هذا فلن يجد أبناؤنا تعليما عموميا مجانيا ،وحتى وإن وجدوه فلن يكون له أية قيمة.ناهيك عما أراه في القرية التي أعمل بها وفي القرى المجاورة ،إقصاء تام عن المدنية  وتهميش لم أكن أتوقعه خصوصا في مناطق لا تبعد بأكثر من ستين كلمترا عن المدن . محرومون من أبسط  الخدمات و أبسط المرافق.أتعرف دكتور أنني أدرس أطفالا لا يجدواما يسدون به رمقهم .أشعر بالفعل بآلام في جسدي ،فلا حيلة لي بتغيير الوضع.تعلمنا في مدرسة عمومية كانت لا تُفرّق بين أبناء الفقراء و لا الأغنياء، الكل سواسية .هذه المدرسة التي تخرج منها الوزراء و السفراء …الوزراء الذين ظننا أنهم سيسيرون  ببلدنا إلى مصاف الدول المتقدمة ،توسمنا فيهم خيرا لأنهم من أبناء الشعب عانوا ما يعاني منه البسطاء .ولكن للأسف أتت رياحهم بما لا تشته سفننا ،و إذا بهم يعيدوننا خمسين سنة إلى الوراء.    خرجنا نناضل من أجل تعليم عمومي بعدما فرض علينا التعاقد  و أوصدت أبواب الوظيفة العمومية في وجهنا،ولكن وجدنا أنفسنا منعزلين الكل لعب دور المتفرج ،بل هناك من نعتنا  بالانتهازيين لأننا قبلنا بهذا التعاقد و تواطئنا مع رئيس الحكومة السابقة الذي أراد أن يضرب العمل النقابي و يجهز على تقاعد المرسمين(الذين لن يجدوا تقاعدهم المريح كما يتمنوه). أتعرف دكتور؛ هذا أكثر ما آلمني كثيرا  عندما سمعته من أستاذ متقاعد.حتى وإن كنا مخطئين و قبلنا بهذا التعاقد المشؤوم ،سواء نحن أو غيرنا ولكننا خرجنا نناضل مضحين بجهدنا و بمالنا من أجل محاربته من الداخل،ولكن للأسف الكل تكالب علينا إلا القلة القليلة…       كنت أظن أن  العوام في هذا الوطن لا يقدرون ما نقوم به من أجل أبنائهم ،لأتفاجأ أننا متهمين من طرف الجميع حتى ممن نعتبرهم  الطبقة المثقفة الواعية، ففئة كبيرة من الشعب تكيد لنا كيدا لتمثلات عندها؛منها أن الأستاذ لا يعمل ولايستحق الترسيم لأنه عندما يرسم تقل مردوديته.و منها أننا ولجنا هذه المهنة بلا تكوين بيداغوجي لهذا لانستحق الترقية (مع أن توظيفنا بدون تكوين لم يكن سوى سياسة من سياسات التقشف التي تقوم بها الحكومة ).و غيرها من التمثلات التي واجهتنا و أوغرت صدورنا.أتعرف يا دكتور  أنني لم أنخرط في النضال إلا بعدما اقتنعت أن التعليم سيصبح خدمة تباع كباقي الخدمات فخروجي لم يكن فقط من أجلي بل من أجل مدرسة عمومية للجميع ؛أساس التفاضل فيها للمُجد المجتهد.المدرسة التي جمعت في ما مضى بين جميع أطياف المجتمع….لا أحد انتبه أن أولئك الأساتذة هم أبناء الشعب كان حلمهم الحصول على وظيفة محترمة ،مهنة الرسل والأنبياء.لا حسابات سياسية عندهم و لا أجندات خارجية يعملون من أجلها خروجهم للنضال لم يكن إلا بسبب الظلم و الحيف الذي واجهوه و عدم الاستقرار النفسي والمهني  الذي عانوا منه.  كانت أستاذة معي من المناضلات الحقيقيات تقول :”لا يهم أن يطردوني و ينتفع غيري من الأساتذة إذا نجح نضالنا -بعد التهديدات التي كانت تعرفها-يكفيني فخرا أن أكون مناضلة”.كنا  نقول لها لا أبدا لا نريد الضرر لأحد ،وهي  تقول طردي  ومائة آخرون  أهون علي  من مذلة سبعين ألف.بالفعل أدركت جيدا الآن قولها  و ما كانت تشعر به….     لا عليك يا أستاذ مراد خذ هذه المعالجة و راجعني بعد أسبوع ،عليك أن ترتاح هذا الأسبوع تمام الراحة.بعد أسبوع عاد مراد إلى طبيبه و حاله على ما هو عليه. قال له الدكتور:” لا تبتئس فهذا حالنا جميعا، ألم ترى ما يحدث في كلية الطب؟! فابنتي تدرس بالسنة الثالثة وهي مهددة بسنة بيضاء ولا حياة لمن تنادي مع أن دراسة الطب تتطلب سنوات طويلة جدا . يريدون بيع التعليم العمومي ،بعد أن فتحوا كلية الطب الخصوصية أرادوا أن يجعلوا جميع الأطباء سواسية في التكوين و في اجتياز المباريات ،و طبعا ستكون الغلبة لخريجي الجامعات الخاصة لما سيجنيه هؤلاء من معدلات مرتفعة و تزكيات من أساتذتهم.ناهيك عما يعانيه القطاع العام ؛فزوجتي طبيبة في القطاع العام و هذا القطاع لا يتوفر على أبسط  الإمكانيات،و لكن الملام دائما هو الطبيب هو المتهم بالتقصير وأنه لا يقدم خدمة عمومية في المستوى المطلوب ولا أحد ينتبه أن العاملون به معرضون للأمراض المعدية دون ضمانات صحية أو علاجية.أما نحن في القطاع الخاص فأصبح شغلهم الشاغل التشهير بنا و بما نجنيه من أموال طائلة من عياداتنا ومستشفياتنا.يجعلون أبناء الشعب الواحد يحقدون على بعضهم البعض.بالفعل هناك أطباء يملؤهم الجشع و الطمع و لكن ليس الجميع،فهذه مهنة العطاء هي و التعليم مهن التضحية .يتركون اللصوص  الكبار و يهاجمون الشرفاء .ثم يتبجحون بصداقاتهم و يمنون بها على الفقراء و المساكين في شهر رمضان ويزينون جداراتهم الزرقاء ،وكأن الفقراء لايأكلون إلا في رمضان!!! عوض أن يوفروا لهم  عملا شريفا يمنحهم عيشا كريما.أما الضرائب فحدث ولا حرج أصبح شغلهم الشاغل جني الضرائب. أنا لست أبدا ضد تقديمها فهذا أقل ما يمكنني أن أقدمه لوطني و لكن على الجميع أن يقدمه فأغنى الأغنياء يتهربون منها أو يتم إعفاؤهم و المساكين و الكادحين يستخلصون منهم آخر درهم !أتعرف يا صاحبي أن عددا كبيرا من أصدقائي  هاجروا إلى  بلدان أوربية وأمريكية ،و لكنني لن أهاجر أبدا فهذا بلدي و هذا موطني وهو يسكنني حتى قبل أن أولد سأظل أحميه وأخدمه و أرد جميله علي.بالفعل يا دكتور سمعت هذه النصيحة من العديد من أصحابي ،ينصحوني بالهجرة بل عدد لا يستهان به هاجر فعلا.ولكن إذا هاجر خيرة شباب الوطن ،ماذا سيبقى للوطن !!لن يبق له  حينذاك غير شباب مقهور  بحلم مهدور ..

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: