التعليم العمومي المغربي بين التغريب والتخريب (2)


بقلم : محمد الصديق اليعقوبي

تتمة لموضوع مقالنا حول التعليم العمومي بين التغريب والتخريب سنتطرق في مقالنا هذا عن المشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع الحيوي والذي أصبح يعاني من أزمة خانقة وصلت حد التدمير الممنهج والتصفية بسبب الإختيارات اللاشعبية واللاديموقراطية واللاوطنية في المجالات السياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية للدولة المغربية، رغم إدعاءاتها الكاذبة للعديد من الشعارات الفارغة مثل “إصلاح المنظومة التربوية” و”ربط التعليم بالتنمية” و”مواجهة تحديات العولمة” و”الإستجابة لسوق الشغل”… هذه الشعارات تهدف بالأساس إلى ذر الرماد على العيون وزرع الإنتظارية ومحاولة تملص الدولة من مسؤوليتها في التمويل وتكبيل المقاومة الشعبية لتلك المخططات الرجعية والتراجعية المنبثقة من توصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة، والمنصاعة لسياسات التقويم الهيكلي بتفويت القطاعات العمومية الإستراتيجية وتحرير السوق الداخلية للإستغلال الفاحش من طرف الرأسمال الأجنبي والمحلي الطفيلي بتواطؤ المسؤولين، ونهب المال العام وتمرير هذه الصفقات في ظروف مشبوهة لا تحترم فيها حتى دفاتر التحملات وبنود العقود المبرمة في غياب أية مراقبة أو مشاركة شعبية فعلية ديمقراطية وتغييب المواطنين والمواطنات. وإغراق الدولة المغربية تحت وابل من الديون التي يجهل المواطن المغربي متى وكيف حصلت وكيف صرفت، بالإضافة إلى تفويت الأراضي الفلاحية والقطاعات العمومية إلى ذوي النفوذ.
أضف إلى ذلك تعليق الحكومات المتعاقبة فشلها وتحميل مسؤولية هذه الأزمات الخانقة والمتتالية التي يعرفها اقتصاد المغرب إلى الجماهير الشعبية الكادحة بإعتبارها الحلقة السهلة حيث ثم إثقال كاهلها من خلال الزيادة في الضرائب والسماح للمضاربين والإحتكاريين بفرض أسعارهم وبالإستعداد لضرب صندوق التقاعد والزيادة في سنه وتصفية صندوق المقاصة وإقرار قوانين تكبل الإضراب وغيرها من القرارات الجائرة.
وأمام هذا الواقع المرير التي يتخبط فيه قطاع التربية و التعليم من خلال الإجهاز عليه بخوصصته ليكون حكرا على نخبة معينة داخل المجتمع في إطار إعادة نفس النخب، كما تم فتحه على الإحتكار والإستثمار لفائدة الرأسمال الأجنبي والمحلي الطفيلي تمهيدا لتسليعه وتبضيعه، وبالموازاة مع هذه الإجراءات اللاشعبية التي فشلت في إصلاح المنظومة التربوية السابقة فإن موضوع التربية والتعليم أصبح مثل جمرة اللهب لا احد يستطيع الإمساك بها خوفا من أن تحترق يديه ، لذلك جاء القانون الإطار ضبابيا إستعدادا للفشل القادم ، الذي يُحمل المسؤولية للجميع ، ولا أحد بالتحديد…
أما الخلط بين المصطلحات وعدم التمييز بين الأدوار ، فقد يكون سببه تلك الضبابية المشار إليها أو عدم كفاءة الذين أوكلت اليهم مهمة صياغة القانون الإطار، لا أعرف على أي أساس تم إنتقاء أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم ، هل الكفاءة أم خدمة الدولة ؟ لا يُعقل أن يتلو فشل سابق فشلا لاحقا ، وكل مرة يتم إبهام الأسباب وتشتيت المسؤولية ، لذلك فأن الإشراك القصري لكل مكونات المجتمع في تحمل”نتائج الإصلاح المرتقب” دون تحديد ما يجب القيام به بالدقة المطلوبة هو بمثابة تهيئ الرأي العام لتقبل الفشل مرة أخرى وكأن هذا الأخير هو قدر التعليم ،
لكن عندما يغيب النقاش الموضوعي في القضايا المصيرية ويحضر منطق التوافق الفوقي، كما حصل في قضية لغة التدريس، يضيع مستقبل الأجيال القادمة وتضيع بوصلة الوطن بين كواليس التواطؤ المرحلية والرهانات الضيقة.
فهل تحضر الموضوعية وتهيمن مصلحة الوطن عندما تحين ساعة الحقيقة ويحتكم إلى الضمير، لحظة التصويت على مشروع القانون الإطار للتعليم؟
وهل يعلم صناع القرار أن اللغة هي الناقلة للثقافة، والمؤتمنة على الذاكرة الجماعية وعلى القيم المجتمعية، والحافظة للتراث، والمجسدة للتنوع الثقافي؟ وهل تغليب كفة اللغة الفرنسية في المنظومة التربوية الوطنية سيحقق هذه الأدوار؟ وهل يعلم هؤلاء أن الإعتراف الرسمي باللغات الوطنية وإستعمالها في المؤسسات من الحقوق الثقافية المعترف بها دوليا، فهل التشريع بحصر اللغة الأمازيغية في دور اللغة المدرسة وحصر اللغة العربية في تدريس المواد غير العلمية يسهم حقا في تكريس هذه الحقوق، خاصة في ظل مواصلة التضييق على حضور اللغتين الرسميتين في الإعلام وإقصائهما من اللوحات الإشهارية التي تغزو الشارع المغربي؟
لا يخفى عليكم أن الإتفاقيات الدولية نصت على ضرورة التعلم باللغات الوطنية، والتربية على احترام التعدد اللغوي الوطني، وتعلم اللغات الأجنبية، فهل فرض تدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية يحترم هذه المقتضيات؟
ألن يسهم ذلك في إنقراض اللغتين الرسميتين (2500 لغة تواجه خطر الموت حسب اليونسكو)، أو على الأقل اضمحلال إستعمالهما بحكم أن اللغة التي تجمع أكثر عدد من الناطقين بها تصبح تلقائيا لغة التخاطب لأنها تشكل الحل الأقل كلفة، وأن كل لغة توجد في هذه الوضعية تدفع غير الناطقين بها إلى تعلمها مما يزيد من هيمنتها؟
ماذا عن مخاطبة أبناءنا أباءهم وامهاتهم بلغة مولير وهم خارجون من المدارس التي جعلت من الفرنسية لغة للتدريس والتواصل بحجة بحجة إثقان هذه اللغة؟ ألا يعتبر ذلك تهديدا لمكانة اللغات الرسمية في المجتمع؟ أم هو قرار يراد منه “فرنسة” المجتمع إرضاء لمن يرى أن تقدم المجتمع المغربي رهين بتغيير خلفيته الحضارية؟
ألا يعتبر تكريس هيمنة اللغة الفرنسية في المشهد التعليمي الوطني بتغليب كفتها على اللغتين الرسميتين وتخصيصها بميزة تدريس المواد العلمية والتقنية، يذهب في اتجاه تفعيل مفهوم افتراس اللغات حيث لن تتردد هذه اللغة في قص أجنحة اللغات الرسمية وتحجيم أدوارها، وبالتالي إقرار طبقية لغوية في المجتمع المغربي تكون فيها الحظوة للغة الفرنسية، مما قد يؤدي إلى شرخ مجتمعي ينذر بتوترات نحن في غنى عنها؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.