الكائنات الانتخابية و الدائرة المفرغة


المغرب : كتب مصطفى بودغية.

ليست الدائرة في هذا العنوان دائرة انتخابية، و إن كانت الانتخابات تعرف دائما دوائر انتخابية عديدة مفرغة من ناخبيها في هذا البلد السعيد المنتمي لما يسمى بلدان العالم الثالث العريقة في أصول الاستبداد، إنها دائرة هندسية بما ترمز إليه من دوران في الفراغ و من تكرار و إعادة إنتاج نفس الأوضاع و الأحوال، أما الكائنات الانتخابية فهي كائنات عجيبة غريبة، إنها كائنات تعيش بالانتخابات و للانتخابات، لكنها، حتما، و لحسن حظها، لم تولد في صناديق الاقتراع.
و كما أن الأسماك في البحر، لها ما يجعلها تتشابه من حيث قدرتها على العيش في الماء، فإنها، أيضا، تتمايز إلى حد يلتهم بعضها البعض الآخر. كذلك الكائنات الانتخابية فهي تشبهنا تماما لأنها تضحك و تبكي و تغضب أيضا، مثلنا تماما، إلا أنها انفردت بخصائص عجيبة، جعلتها تعرف من أين “تأكل أكتافنا”. إنها صنفين، صنف من فصيلة الديناصورات الانتخابية وصنف ينتمي إلى فصيلة “ابن آوى” كما رسم ملامحه الفقيه القدير “ابن المقفع”، وأبدعه الفيلسوف الهندي “بيدبا” في كتاب “كليلة ودمنة” ليقدم نصائح لسلطان زمانه على لسان الحيوان، وهذا الصنف الثاني له علاقة وجودية بالصنف الأول.
فالديناصورات هم أعيان البوادي و المدن و رؤساء الجماعات المحلية السابقون الذين اغتنوا عبر الانتخابات نفسها و مارسوا الفساد و نهب المال العام أثناء مزاولتهم لمهامهم في الجماعات المحلية، و كل من جمع مالا حلالا أو حراما. أما أحفاد “ابن آوى” فهم، غالبا من العاطلين عن العمل و يجهلون تماما السياق السياسي الذي يتحركون فيه و يعتقدون أن ما يقومون به فطنة و ذكاء، و يتميزون بانعدام الضمير و بنزعة طفيلية واضحة. لكنهم ،بالتأكيد، أشخاص منفتحون اجتماعيا، يقضون اليوم كله في تقديم الخدمات للآخرين، خدمات من كل نوع : استخلاص أوراق إدارية من الإدارات المختلفة، المساعدة في الأفراح والحفلات والجنائز والتواجد المستمر في كل المناسبات… مما يمكنهم من حياكة شبكة واسعة من العلاقات وسط محيطهم الاجتماعي.
يبحث المرشحون “أصحاب الشكارة” عن هذه “الكائنات الانتخابية” الصغرى “بالريق الناشف” و يتنافسون على كسب ودها و ثقتها، لأنها هي التي تتولى صرف الأموال بطرق متنوعة، أثناء الحملة الانتخابية، قد تكون أداء أشهر من واجب “الماء و الكهرباء” أو مواد عينية أو مالا صرفا… و قد تتفاوض هذه “الكائنات الصغرى” بالوكالة مع أشخاص بحوزتهم عدد من بطاقات الانتخاب تخص عائلاتهم و ذويهم .
إننا هنا أمام انتخابات لا تساهم في تعميق المسار الديمقراطي و إنما أمام محطة لإفساد هذا المسار، ففي كل دورة انتخابية تتسع دائرة الفراغ و الشعور بالعبث و اللاجدوى.
هناك في أعماق البحار تلجأ الحيتان الكبيرة إلى طريقة لاصطياد سرب كبير من السمك الصغير حيث تحاصره و تدفعه إلى التجمع و التكتل و حينئذ توجه له ضربات متتالية بذيلها القوي لتقتل عددا منه و تلتهمه بعدئذ، و في مجتمعنا “المطحون” بقوة المال و بالاستبداد السياسي يحدث نفس الشيء حين تقوم الديناصورات الانتخابية بتجميع أصوات المواطنين المخدوعين في صناديق الاقتراع ثم توجه لهم ضرباتها المتتالية فيما بعد.

اترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: